الحيطان لها ودان: لنغلق دائرة القهر
تأمل في القهر كصوت داخلي، كبنية اجتماعية ووعي بالذات والآخر.
من زمان وإحنا بنسمع إن "الحيطان ليها ودان".
ومع تأمل المثل، نلاقي إننا عايشين في عالم قوته نابعة من خيال - خيال الآخر عنا، وخيالنا عن اللي ممكن يحصل لو اتكلمنا، اتحركنا، حبينا، أو حتى عبّرنا عن نفسنا. -
ده مش مجرد خيال بريء، لكنه بيشتغل كبنية أساسية للعيش: بيحدد مشاعرنا، خطواتنا، وحتى أحلامنا واحيانًا مسارنا في الحياة بالكامل.
ومع الوقت، بنستجيب للقوة دي، مش بس كضحايا، لكن كفاعلين داخل دايرة القهر، وبكده، الدائرة بتقفل على نفسها... وعلينا.
في أواخر عشريناتي، اتغيّر صوتي بوضوح.
بقيت أكثر فهمًا - وأحيانًا أكثر طاعة - لتعاليم "الحماية الاجتماعية".
بمرور الوقت، حسّيت إن صوتي مش نابع مني، بل امتداد لأصوات تانية مش عارف أصحابها.
أصوات بتقوللي إيه المسموح، وإمتى أسكت، وإزاي أكون "معقول".
استغرق الأمر وقتًا طويلًا علشان أنقُد صوتي القديم: صوت كان فيه خيال حر عن الحب، والحرية، والتجريب.
ومن اللحظة دي، حسّيت إني فقدت نفسي جزئيًا، وبقيت واقف في منتصف طريق:
بين خيال عالمي ومحلي، وبين فهمي الخاص للأشياء... اللي لسه بيتشكل.
ومع غلق دائرة القهر، (الفرق بين صوتنا الحقيقي واصوات "المجتمع والناس")، بنبدأ نلتبس بين القاهر والمقهور.
بندور في مدار دائري، نسأل نفسنا:
هل أنا فقط مقهور؟
ولا أنا أحيانًا بألعب الدورين معًا، مقهور وقاهر في نفس اللحظة؟
ومن التأمل ده، يطلع تأمل تاني:
هل القاهر أصلًا واعي بموقعه وتأثيره علينا؟ هل بيدرك قوته اللي بتوجع؟
ساعات بأفتكر مواقف كنت فيها أنا اللي بخوّف.
استخدمت نفس الخيال الخائف اللي كان بيقهرني، علشان أسكّت أصدقائي.
تجاوزت حقهم في الاختيار، والحب، والتجريب علشان انا كمان خائف… وأنا مش واخد بالي إني بأعيد إنتاج نفس القهر اللي كنت هربان منه.
الكاتب البرازيلي باولو فريري، في كتابه "تعليم المقهورين"، بيحكي عن القهر مش كفعل خارجي بس، لكن كدايرة داخلية بيتحوّل فيها المقهور أحيانًا لقاهر، من غير ما يقصد.
بيقول إن أول خطوة في التحرر، هي الوعي بالدور اللي أنا بلعبه جوه الدايرة دي، إني أشوف إزاي صوت القاهر ممكن يستقر جوايا، وأكرّره على نفسي أو على غيري.
كنت بظن زمان إن القهر دايمًا جاي من برّا، من الدولة، من المجتمع، من العائلة.
بس الحقيقة إن القهر أحيانًا بينمو جوايا، بصوتي، وبايدي.
ومع تجاربنا ككويرز في مجتمعاتنا، ومع عائلاتنا، بنتعرض لأشكال مختلفة من القهر.
يلا نبدأ نتّصل بدوائر القهر اللي بنعيشها، ونفهم شكل تأثيرها علينا،
عشان نعي بموقعنا داخلها، ونسأل:
إزاي ممكن نمنع نفسنا من إعادة إنتاج قهر جديد؟
خلونا نشارك في بناء خيالات جديدة حرة تقاطعية بتسمعنا وتبني على تعبيراتنا عن نفسنا.
خيالات ما بتحركهاش بس الرغبة في الأمان، لكن بيغذيها الأمل في مساحة مختلفة تساعنا.
مساحة ما يكونش الخوف هو نقطة البداية.
هذا المقالة جزء من سلسلة مقالات تحاول تفكيك علاقتنا بنفسنا والآخر عبر مفاهيم متعددة.